المناوي
142
فيض القدير شرح الجامع الصغير
( قتلا في سبيلك ) أي في قتال أعدائك لإعلاء دينك ( بالطعن ) بالرمح ( والطاعون ) وخز أعدائهم من الجن : أي اجعل فناء غالب أمتي بهذين أو بأحدهما . قال بعضهم : دعى لأمته فاستجيب له في البعض أو أراد طائفة مخصوصة أو صفة مخصوصة كالخيار ، فلا تعارض بينه وبين الخبر الآتي : إن الله أجاركم من ثلاث أن يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا . الحديث . قال القرطبي : جاءت الرواية عن أبي قلابة بالواو ، وقال بعض علمائنا الصحيح بأو ، والروايتان صحيحتا المعنى ، وبيانه أن مراده بأمته صحبة خاصة لأنه دعا لجميع أمته أن لا يهلكهم بسنة عامة ، ولا يسلط أعداءهم عليهم ، فأجيب فلا تذهب بيضتهم ولا معظمهم بموت عام ولا بعدو على مقتضى دعائه هذا ، والدعاء المذكور هنا يقتضي أن يفنوا كلهم بالقتل والموت عام فتعين صرفه إلى أصحابه لأن الله اختار لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله بالطاعون الواقع في زمنهم فهلك به بقيتهم ، فقد جمع لهم الله الأمرين ، فالواو على أصلها من الجمع أو تحمل على التقسيمية ، قال الراغب : نبه بالطعن على الشهادة الكبرى وهي القتل في سبيل الله وبالطاعون على الشهادة الصغرى . وهذا الحديث هو المشار إليه في خبر آخر يقوله : الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم ، قال العلماء أراد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يحصل لأمته أرفع أنواع الشهادة وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الإنس وإما من الجن . وهذا الحديث مكي دعى به المصطفى صلى الله عليه وسلم عند خروجه مهاجرا وهو بالغار ( حم طب عن أبي بردة ) بن أبي موسى ( الأشعري ) اسمه الحارث أو عمارة أو عامر : سمع عليا وعائشة ، وولى قضاء الكوفة ورواه عنه أيضا الحاكم في المستدرك باللفظ المزبور وصححه وأقره عليه الذهبي بل رواه باللفظ المذكور قال الهيثمي : رجاله ثقات . اه فلو عزاه المصنف له لكان أحسن على عادته في البداءة في العزو إليه ، وما أراه إلا ذهل عنه ، قال الحافظ ابن حجر وحديث ابن أبي موسى هذا هو العمدة في هذا الباب فإنه يحكم له بالصحبة لتعدد طرقه إليه . 1477 - ( اللهم إني أسألك ) أي أطلب منك ( رحمة من عندك ) أي ابتداء من غير سبب ، وقال القاضي : نكر الرحمة تعظيما لها دلالة على أن المطلوب رحمة عظيمة لا يكتنه كنهها ووصفها بقوله من عندك مزيدا لذلك التعظيم لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصفه لقوله * ( وآتيناه من لدنا علما ) * [ الكهف : 65 ] ( تهدي بها ) أي ترشد ( قلبي ) إليك وتقربه لديك وخصه لأنه محل العقل ومناط التجلي . وأجناس الهداية خمسة مترتبة وهي إضافة قوي يتمكن بها من الاهتداء ونصب الدلائل وإرسال الرسل والكشف والتوفيق ، والأخير هو الممنوع عن نحو الظالمين أينما وقع في القرآن ( وتجمع بها أمري ) أي تضمه بحيث لا أحتاج إلى أحد غيرك ( وتلم ) أي تجمع وتضم ( بها شعثي ) ما تفرق من أمري ملتئما غير متفرق وهو من اللم الجمع يقال لممت الشئ جمعته ، ومنه خبر : تأكل لما وتوسع ذما : أي تأكل كثيرا مجتمعا ( وتصلح بها غائبي ) أي ما غاب عن باطني بالإيمان والأخلاق المرضية والملكات الرضية ( وترفع بها شاهدي ) أي ظاهري بالأعمال الصالحة والهيئات المطبوعة والخلال الجميلة : فالمراد تعميم الباطن وإصلاح الظاهر ، أو أراد بها في الأخرى بالرضا والكون مع